محمد محمد أبو ليلة
120
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
هناك يقرءونه بأنفسهم ؛ هذه المعاجز لو أرادها اللّه بالطبع لتحققت ووقعت . ففي المعجزات دلالات على صدق الأنبياء ، الذين أرسلهم اللّه تعالى وأيدهم بها ، وأمر الناس أن يصدقوهم ، وتوعدهم على تكذيبهم للأنبياء ، ولكن المعجزات لا تأتى وفق الإرادات والشهوات ؛ فاللّه يعلم أن الطالبين مشاغبون ، ولن يهتدوا إذا أبدا . وأما لفظة " كتاب " في الآية التي يتعلق بها المستشرق ، فليست تعنى " القرآن " ؛ وإنما هي إشارة إلى كتاب خاص سأل المعارضون محمدا صلى اللّه عليه وسلم أن يأتيهم به من السماء ، يحمل اسم المعارضين ، كل واحد منهم على حدة ، ويخاطبه باسمه خصّيصا ، كبطاقة دعوة خاصة به ، تقول له يا فلان بن فلان أنت مدعوّ لتصديق محمد ، والإيمان بالإسلام : بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً ( 52 ) ( المدثر : 52 ) ؛ ثم إن الذين طلبوا من محمد صلى اللّه عليه وسلم هذه الأمور لا يمثّلون إلا أنفسهم ، وهم أعدى أعدائه ، وأشدهم عصبية عليه ، وحسدا له ، كعبد اللّه بن أمية وعتبة وشيبة ابني ربيعة « 1 » . جاء ذلك منهم بعد أن أخفقوا في إغراء النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمال ، والجاه ، والسلطان ، ليتخلى عن دعوته ، ويركن إليهم ؛ ولم يكن هؤلاء المعاندون من أهل الدليل ولا ممن يقتنعون بالحجج والبراهين . لقد قالوا ذلك وغير ذلك عنادا وإباء لا طلبا للدليل واليقين وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ( 31 ) ( الزخرف : 31 ) ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً ( الفرقان : 32 ) ؛ يمضى الكاتب في استعراضه للآيات فيشير إلى قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ ( 156 ) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ ( الأنعام : 156 - 157 ) ، الطائفتان المشار إليهما في الآية هما اليهود والنصارى ، لأنهم كانوا يجاورون العرب ، والعرب تعرفهم . يقول ويلش : " إن أتباع محمد قد اشتكوا من عدم وجود كتاب لديهم ، كهذا الذي لدى اليهود والنصارى " ؛ والآية ليس فيها شكوى ، ولا ما يشبه الشكوى ؛ وإنما فيها ، لو أنصف الكاتب نفسه من نفسه ، تعلّل وتحلّل . أراد اللّه تعالى بذلك أن يقطع أعذار المتعللين منهم ، ليقيم عليهم الحجة كما في قوله :
--> ( 1 ) ابن عطية المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 9 ص 196 - 198 .